سيد محمد طنطاوي

168

التفسير الوسيط للقرآن الكريم

وقوله : * ( ارْكُضْ ) * بمعنى الدفع والتحريك للشيء . يقال : ركض فلان الدابة برجله إذا دفعها وحركها بها . والمغتسل : اسم للمكان الذي يغتسل فيه ، والمراد به هنا : الماء الذي يغتسل به . وقوله : * ( هذا مُغْتَسَلٌ ) * مقول لقول محذوف . والمعنى : لقد نادانا عبدنا أيوب بعد أن أصابه من الضر ما أصابه ، والتمس منا الرحمة والشفاء مما نزل به من مرض ، فاستجبنا له دعاءه ، وأرشدناه إلى الدواء ، بأن قلنا له : « اركض برجلك » أي : اضرب بها الأرض ، فضربها فنبعت من تحت رجله عين الماء ، فقلنا له : هذا الماء النابع من العين إذا اغتسلت به وشربت منه ، برئت من الأمراض ، ففعل ما أمرناه به ، فبرئ بإذننا من كل داء . ثم بين - سبحانه - أنه بفضله وكرمه لم يكتف بمنح أيوب الشفاء من مرضه ، بل أضاف إلى ذلك أن وهب له الأهل والولد فقال - تعالى - : * ( ووَهَبْنا لَه أَهْلَه ومِثْلَهُمْ مَعَهُمْ ، رَحْمَةً مِنَّا وذِكْرى لأُولِي الأَلْبابِ ) * . والآية الكريمة معطوفة على كلام مقدر يفهم من السياق أي : استجاب أيوب لتوجيهنا ، فاغتسل وشرب من الماء ، فكشفنا عنه ما نزل به من بلاء ، وعاد أيوب معافى ، ولم نكتف بذلك بل وهبنا له أهله . ووهبنا له * ( مِثْلَهُمْ مَعَهُمْ ) * أي : بأن رزقناه بعد الشفاء أولادا كعدد الأولاد الذين كانوا معه قبل شفائه من مرضه ، فصار عددهم مضاعفا . وذلك كله * ( رَحْمَةً مِنَّا ) * أي من أجل رحمتنا به * ( وذِكْرى لأُولِي الأَلْبابِ ) * أي : ومن أجل أن يتذكر ذلك أصحاب العقول السليمة ، فيصبروا على الشدائد كما صبر أيوب ، ويلجئوا إلى اللَّه - تعالى - كما لجأ ، فينالوا منا الرحمة والعطاء الجزيل . قال الآلوسي ما ملخصه : قوله : * ( ووَهَبْنا لَه أَهْلَه ) * الجمهور على أنه - تعالى - أحيا له من مات من أهله ، وعافى المرضى ، وجمع له من تشتت منهم ، وقيل - وإليه أميل - وهبه من كان حيا منهم ، وعافاه من الأسقام ، وأرغد لهم العيش فتناسلوا حتى بلغ عددهم عدد من مضى ، ومثلهم معهم ، فكان له ضعف ما كان ، والظاهر أن هذه الهبة كانت في الدنيا « 1 » . ثم بين - سبحانه - منة أخرى من المنن التي من بها على عبده أيوب فقال : * ( وخُذْ بِيَدِكَ ضِغْثاً فَاضْرِبْ بِه ولا تَحْنَثْ ، إِنَّا وَجَدْناه صابِراً نِعْمَ الْعَبْدُ إِنَّه أَوَّابٌ ) * .

--> ( 1 ) تفسير الآلوسي ج 23 ص 207 .